كتاب الرأي

البكا مور الميت خسارة.. مصر تحتاج إلى مراجعة أخطائها بدل صناعة رواية المظلومية


في كرة القدم، هناك هزائم تُحسم داخل المستطيل الأخضر، وهناك هزائم تبدأ بعد صافرة النهاية، عندما يبحث الجميع عن تفسير يخفف من قسوة النتيجة. وأسهل هذه التفسيرات هو تحميل الحكم كل المسؤولية، لأن ذلك يمنح اللاعبين والمدربين والجماهير راحة مؤقتة من مواجهة الأسئلة الأصعب.



بقلم : عائشة بوسكين

لكن كرة القدم، بكل قسوتها وجمالها، لا تعترف بالروايات السهلة. فالحكم قد يخطئ، والقرار التحكيمي قد يثير الجدل، لكن التاريخ لا يحتفظ في النهاية إلا بالنتيجة، وبالمنتخب الذي عرف كيف يدير تفاصيل المباراة حتى آخر لحظة.


هذا ما حدث بعد خروج المنتخب المصري أمام الأرجنتين في ربع نهائي كأس العالم. فبعد نهاية المواجهة، تحول جزء كبير من النقاش من تحليل الأداء إلى الحديث عن التحكيم وتقنية VAR، خرج حسام حسن غاضبا، وانتقد القرارات التحكيمية بشدة، كما تقدم الاتحاد المصري لكرة القدم باحتجاج رسمي، في خطوة تعكس شعور الجانب المصري بالظلم.

ليس المنتخب المصري وحده من عاش لحظات شعر فيها بالظلم التحكيمي، فحتى المنتخب المغربي سبق أن واجه قرارات أثارت الكثير من الجدل خلال مشاركاته الكبرى، واعتبر كثيرون أنها أثرت على مسار بعض المباريات. لكن كرة القدم بطبيعتها لعبة تحتمل الخطأ والجدل، والحكم جزء من هذا الواقع مهما تطورت التقنيات. الفرق بين المنتخبات التي تتقدم وتلك التي تبقى أسيرة الإحباط هو قدرتها على تجاوز لحظة الغضب، وتحويل التجربة إلى درس بدل تحويلها إلى رواية دائمة عن الظلم


من حق أي منتخب أن يدافع عن حقوقه، وأن يطلب توضيحات عندما يرى أن بعض القرارات أثرت على مسار المباراة. فالتحكيم ليس مقدسا، والأخطاء جزء من اللعبة. لكن السؤال الأكثر أهمية ليس : هل أخطأ الحكم؟ بل : هل كان الحكم وحده من صنع الفارق؟ الإجابة تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن المباراة كانت أكبر من صافرة.


فالمنتخب المصري لم يكن ضحية فقط، بل كان أيضا طرفا في قصة كان بإمكانه أن يكتب نهايتها بطريقة مختلفة. فقد نجح في التقدم، وقدم لحظات قوية أمام منتخب يملك تاريخا وثقلا كبيرا، وكان قريبا من تحقيق واحدة من أكبر مفاجآت البطولة. لكن المباريات الكبرى لا تكافئ من يتقدم فقط، بل تكافئ من يعرف كيف يحافظ على تقدمه عندما تبدأ الضغوط.


وهنا ظهر معدن المنتخب الأرجنتيني، لم تدخل الأرجنتين مرحلة الانهيار بعد تأخرها، ولم تبحث عن مبررات، بل واصلت اللعب بعقلية فريق يعرف أن المباراة لا تنتهي قبل صافرة النهاية. وبقيادة ليونيل ميسي، اللاعب الذي اعتاد أن يكون حاضرا عندما تشتد اللحظات، حافظ المنتخب الأرجنتيني على هدوئه، واستمر في البحث عن الحلول، مؤمنا بأن العودة ممكنة مهما كانت الظروف.


ميسي لم يكن فقط اسما كبيرا على أرض الملعب، بل كان رمزا لشخصية منتخب كامل. شخصية تعرف أن المباريات الحاسمة لا تُربح بالموهبة وحدها، بل بالصبر، والثقة، والقدرة على التعامل مع الضغط. وحين شعر المنتخب الأرجنتيني بأن منافسه بدأ يفقد توازنه، رفع إيقاعه واستعاد السيطرة، ليحول مسار اللقاء من لحظة صعبة إلى انتصار جديد في طريقه نحو المنافسة.


في المقابل، دفع المنتخب المصري ثمن بعض التفاصيل التي تصنع الفارق بين المنتخبات الكبيرة والمنتخبات التي تقترب من القمة دون أن تصل إليها. فقد تراجع تركيزه في لحظات حساسة، وتأثر بالجانب النفسي للمباراة، وأصبح الجدل حول القرارات التحكيمية يأخذ مساحة أكبر من التركيز على كيفية استعادة المبادرة داخل الملعب.


ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس ما حدث أثناء المباراة، بل أيضا ما أعقبه، فالاحتجاجات والمشادات بعد صافرة النهاية لا تعكس الصورة التي يبحث عنها أي منتخب يريد أن يثبت حضوره بين الكبار. الخسارة مؤلمة، والغضب طبيعي، لكن المنتخبات العظيمة تُعرف أيضا بطريقة تعاملها مع الهزيمة كما تُعرف بطريقة احتفالها بالانتصار.


كرة القدم علمتنا أن الأبطال لا يصنعهم الحظ وحده، ولا تسقطهم الأخطاء التحكيمية وحدها. فكم من منتخبات كبرى خرجت من بطولات بسبب تفاصيل صغيرة وقرارات أثارت الجدل، لكنها عادت في النسخ التالية لأنها امتلكت القدرة على النقد والتصحيح.


 المشكلة ليست في انتقاد الحكم، بل في تحويل الحكم إلى القضية الوحيدة. فالمنتخب الذي يريد بناء مستقبل قوي عليه أن يملك الجرأة ليسأل نفسه : لماذا لم يحافظ على تقدمه؟ لماذا نجح المنافس في العودة؟ وكيف يمكن إدارة اللحظات الحاسمة بشكل أفضل؟


الاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من قيمة المنتخب المصري، بل يعكس نضجا ورغبة في التطور. فالمجد الكروي لا يبنى على البحث عن الأعذار، بل على مواجهة الحقيقة مهما كانت مؤلمة.


في النهاية، لا تحتاج كرة القدم إلى روايات جاهزة تبرر كل تعثر، بل إلى شجاعة مواجهة الحقيقة. فالمنتخبات التي تصنع التاريخ ليست تلك التي تبحث دائما عن من تلقي عليه مسؤولية الخسارة، بل تلك التي تمتلك الجرأة على مراجعة نفسها والاعتراف بنقاط ضعفها. الانتقاد الذاتي ليس اعترافا بالفشل، بل دليل على النضج والرغبة في التطور.


المنتخب المصري يملك من التاريخ والإمكانات ما يجعله قادرا على المنافسة، لكنه لن يتقدم إذا اختار في كل مرة موقع الضحية، وجعل من الأخطاء التحكيمية التفسير الوحيد للهزيمة. فالبطل الحقيقي لا ينتظر تعاطف الآخرين، بل يبحث عن الأخطاء التي منعته من الفوز، ويحولها إلى قوة في المستقبل.





الخميس 9 يوليو/جويلية 2026
في نفس الركن