كتاب الرأي

البرامج الانتخابية : انتهى زمن الكتالوغ… وبدأ زمن البوصلة


لقد كانت صياغة البرامج الانتخابية، إلى وقت قريب، تشبه تمريناً هندسياً هادئاً : تُرتب الأولويات، تُسرد الوعود، تُقدَّم أرقام تقريبية، ثم يُبنى خطاب سياسي بسيط يقوم على فكرة مركزية: إذا وصلنا إلى السلطة سنفعل كذا وكذا. لكن هذا الزمن انتهى، ليس لأن الأحزاب فقدت قدرتها على التخطيط، بل لأن العالم نفسه فقد استقراره الكافي ليحترم أي برنامج كما كُتب.



بقلم : عدنان بنشقرون

منذ 2007، تعاقبت الدورات الانتخابية على وقع صدمات غير متوقعة: أزمة مالية عالمية، تحولات سياسية إقليمية، جائحة شلت العالم، جفاف طويل، حرب أعادت تشكيل الاقتصاد العالمي، تضخم، أزمات طاقية، واضطرابات جيوسياسية متواصلة. الخلاصة بسيطة: المستقبل لم يعد قابلاً للبرمجة الخطية، بل أصبح مجالاً مفتوحاً للصدمة وعدم اليقين.


المشكل الحقيقي في البرامج الانتخابية اليوم ليس أنها ضعيفة، بل أنها تُكتب كما لو أن المستقبل مضمون وثابت. بينما الواقع أن المستقبل أصبح متقلباً، سريع الانعطاف، وأحياناً قاسياً. لذلك لم يعد كافياً أن نعد فقط، بل يجب أن نُبرمج تحت شرط اللايقين.


“المنهج البرنامجي المُقيد” ينطلق من فكرة أساسية: البرنامج السياسي لم يعد لائحة رغبات، بل يجب أن يتحول إلى بوصلة حكم في عالم غير مستقر. الكتالوغ يجمع الوعود، أما البوصلة فترتب الاتجاهات، وتحدد الأولويات، وتشرح الاختيارات الصعبة. الأول يستهلك، والثاني يحكم.


أول قيد يفرض نفسه هو القيد المالي. لا يمكن تمويل كل شيء في آن واحد: الزيادات، التخفيضات الضريبية، التوظيف، والاستثمارات الكبرى دون ترتيب صارم للأولويات. الصدق السياسي يقتضي توضيح ما هو فوري، وما هو مشروط بالنمو، وما هو مؤجل، وما هو غير ممكن دون إصلاحات عميقة.


القيد الثاني هو القيد المناخي، حيث أصبحت المياه في المغرب متغيراً سياسياً مركزياً. لم تعد الجفاف حالة طارئة بل بنية دائمة تؤثر على الفلاحة، التشغيل القروي، الأسعار، الهجرة الداخلية، والاستثمار. أي برنامج لا يضع الماء في قلبه هو برنامج ناقص.


القيد الثالث اجتماعي. فالمجتمع المغربي يتحرك داخل توترات واضحة: طبقة وسطى تحت الضغط، شباب متعلم لكنه غير راضٍ، عالم قروي هش، اقتصاد غير مهيكل واسع، وارتفاع مستمر في كلفة العيش. لم يعد الحكم على البرامج يتم فقط عبر المؤشرات الاقتصادية، بل عبر الحياة اليومية: الغذاء، التعليم، الصحة، والسكن.


القيد الرابع جيوسياسي. لم يعد بالإمكان فصل الداخل عن الخارج. حرب بعيدة قد ترفع أسعار الغذاء، قرار نقدي عالمي قد يؤثر على الاستثمار، أو توتر دولي قد يعيد تشكيل سلاسل التوريد. السيادة اليوم لم تعد شعاراً، بل أصبحت قدرة على الصمود في الغذاء والطاقة والصحة والرقمنة.


لكن هذا المنهج لا يعني الاستسلام أو التراجع، بل يعني النضج السياسي. فبدلاً من وعود مثالية، يقدم برامج أكثر صلابة: أقل خطاباً، وأكثر قدرة على التكيف. لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الطموح، بل بإعادة تعريفه بشكل واقعي.


عملياً، يجب أن يتكون أي برنامج انتخابي حديث من ثلاث طبقات.


الطبقة الأولى هي “الثابت”: حماية القدرة الشرائية، تحسين المدرسة العمومية، تعزيز الصحة، ضمان الماء، دعم الشباب، وتقوية الطبقة الوسطى.


الطبقة الثانية هي “السيناريوهات”: ماذا نفعل في الظروف العادية، ماذا نفعل في الأزمة المتوسطة، وماذا نفعل في الصدمات الكبرى.


الطبقة الثالثة هي “مرونة التكيف”: آلية سنوية لمراجعة الوعود وتعديل السياسات بشفافية أمام الرأي العام.


هذا التحول سيغير طبيعة السياسة نفسها. من منطق التنافس في الوعود إلى منطق التنافس في القدرة على التوقع والتدبير. وسيجبر الأحزاب على الانتقال من الخطاب إلى الحساب، ومن الشعارات إلى السيناريوهات.


المغرب اليوم أمام أوراش كبرى: الحماية الاجتماعية، الصناعة، الطاقة، التعليم، الماء، الرقمنة، والتظاهرات الكبرى. هذه الأوراش تحتاج إلى استقرار في الأهداف، ومرونة في التنفيذ. لذلك، البرنامج الانتخابي لم يعد وثيقة حملة، بل أصبح أداة حكم.


الخلاصة بسيطة : قول ما نريد تحقيقه، قول ما يمكن تحقيقه، وقول كيف سنحمي المجتمع إذا تغير العالم مجدداً.


لقد انتهى زمن البرامج التي تعد بمستقبل ثابت في عالم متغير. وبدأ زمن البوصلة في عالم لا يتوقف عن التحول





الاثنين 1 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن