بقلم : عدنان بنشقرون
الانتخابات ليست منافسة بين البرامج فقط
ليست الحملة الانتخابية مجرد صراع بين مشاريع سياسية، بل هي أيضًا مواجهة بين الإدراكات والانفعالات والحدس والتحيزات المعرفية. فكل طرف ينظر إلى الواقع من خلال عدسة خاصة به، تؤثر في تفسيره للأحداث وفي تقديره لموازين القوى.
تحيز التأكيد... عندما نبحث عما يوافق قناعاتنا
غالبًا ما يقع المناصر السياسي تحت تأثير تحيز التأكيد؛ إذ يميل إلى مشاركة المنشورات التي تدعم حزبه، ومتابعة الحسابات التي تتبنى الأفكار نفسها، بينما يرفض بسرعة كل معلومة قد تضعف موقف فريقه. ومع مرور الوقت، لا يعود يرى الواقع كما هو، بل يرى في كل حدث دليلًا جديدًا على صحة قناعاته. فيتحول اجتماع انتخابي ناجح إلى "منعطف تاريخي"، ويُنظر إلى مقطع فيديو واسع الانتشار باعتباره دليلًا قاطعًا على أن "الشعب قد حسم اختياره".
وهم الإجماع... حين يختلط المحيط بالمجتمع
أما المسؤول السياسي، فقد يقع في فخ تحيز الإجماع الزائف. فإحاطته بالمستشارين والمنتخبين والأنصار الذين يشاركونه الرأي قد تدفعه إلى الاعتقاد بأن هذا المحيط يعكس المجتمع بأسره. وهكذا تُفسَّر الهتافات في المهرجانات الانتخابية على أنها صدى لإرادة الشعب، بينما تُهمَّش المؤشرات السلبية ويُبالغ في تقدير الإشارات الإيجابية.
المشاعر... السلاح الأقوى في الحملات
بدوره، يعتمد المختص في التواصل السياسي كثيرًا على التحيز العاطفي، لأنه يدرك أن الرسائل المثيرة للخوف أو الغضب أو الصدمة تنتشر أسرع من الخطابات الهادئة والبرامج المفصلة. لذلك تتحول بعض الحملات إلى سلسلة من رسائل الإنذار: تهديد للقدرة الشرائية، أو خطر على القيم، أو مؤامرة تستهدف الوطن. وهنا لا يصبح الهدف إقناع الناخب فحسب، بل دفعه إلى رد فعل فوري.
الإعلام وتحـيز التوافر
حتى الصحفي قد يقع، من دون قصد، تحت تأثير تحيز التوافر. فالموضوعات التي تتصدر مواقع التواصل تبدو له وكأنها أهم قضايا المجتمع، في حين أن الضجيج الرقمي لا يعكس دائمًا أولويات المواطنين. فقد تستحوذ قضية مثيرة للجدل على ساعات طويلة من التغطية الإعلامية، بينما تبقى ملفات التشغيل والتعليم والصحة والنقل أكثر تأثيرًا في خيارات الناخبين.
خوارزميات تعزز ما نراه
أما المواطن المتصل باستمرار بالمنصات الرقمية، فيتأثر بما يعرف بـوهم التكرار. فعندما يشاهد باستمرار اسم مرشح معين أو شعارًا انتخابيًا أو اتهامًا متكررًا، يظن أن الجميع يتحدث عنه. غير أن الخوارزميات تعرض له في الغالب المحتوى الذي سبق أن تفاعل معه، فيرى نسخة مخصصة من الرأي العام، لا صورته الحقيقية.
الأقلية الأكثر حضورًا
ويبرز أيضًا تحيز المشاركة، إذ تستطيع مجموعة صغيرة من الحسابات النشطة أن تخلق انطباعًا بوجود موجة سياسية جارفة. فهذه الفئة تنشر باستمرار، وتعلق، وتنظم الحملات الرقمية، وتملأ فضاءات النقاش، ما يمنحها حضورًا يفوق حجمها الحقيقي. غير أن كثافة الظهور لا تعني بالضرورة كثرة الأصوات في صناديق الاقتراع.
الأغلبية الصامتة
في المقابل، يبقى جزء كبير من المواطنين بعيدًا عن النقاشات الرقمية، وهو ما يعرف بـدوامة الصمت. فبعضهم يتجنب التعبير عن رأيه لأنه يعتقد أنه يمثل أقلية، وآخرون يفضلون الابتعاد عن السجالات على الإنترنت. ورغم هذا الصمت، قد يشكل هؤلاء الكتلة الحاسمة في أي انتخابات.
خرائط ذهنية متوازية
وهكذا يعيش كل طرف داخل خريطته الخاصة للمجتمع؛ فالمناصر يرى نصرًا وشيكًا، وخبير التواصل يرى مشاعر ينبغي تحريكها، والصحفي يرى القضايا الأكثر تداولًا، بينما يرى المواطن عالمًا صاغته خوارزميات المنصات وتفضيلاته الشخصية.
فتتحول الحملة الانتخابية إلى مواجهة بين عدة صور مختلفة للواقع، أكثر منها مواجهة بين رؤى سياسية متنافسة.
صناديق الاقتراع وحدها تحسم
لهذا ينبغي التعامل بحذر مع العبارات من قبيل : "الجميع يفكر بهذه الطريقة" أو "الشعب يريد" أو "المواطنون يرفضون". ففي أي نظام ديمقراطي، لا يحتكر أحد تمثيل الرأي العام.
فالاتجاه الرائج ليس انتخابات، والمهرجان الخطابي ليس وطنًا بأكمله، والوسم الأكثر تداولًا لا يعني وجود أغلبية، وفي مساء يوم الاقتراع، تقدم صناديق التصويت غالبًا درسًا في التواضع، إذ تذكر الجميع بأن شبكات التواصل تقيس شدة القناعات وحجم التفاعل، لكنها لا تقيس بالضرورة الوزن الحقيقي لكل رأي داخل المجتمع.
وربما يجدر بكل طرف سياسي، قبل أن يطلب أصوات الناخبين، أن يراجع أولًا التحيزات المعرفية التي ينظر من خلالها إلى المجتمع، حتى لا يخلط بين ما يراه على شاشته وبين ما يعبر عنه المواطنون بالفعل في صناديق الاقتراع