كتاب الرأي

الاستقلال… عندما تتحول السياسة إلى أثر


في زمنٍ أصبحت فيه السياسة في كثير من الأحيان مجرد إدارة للصور والانطباعات، يبرز حزب الاستقلال كحالة مختلفة تُعيد تعريف الفعل الحزبي من منطق التموقع إلى منطق التأثير. ليس لأن الحزب لم يتغير، بل لأنه اختار أن يتغير بالقدر الذي يسمح له بالبقاء فاعلا في مغرب يتغير بسرعة.



بقلم: سعيد التمسماني

الانتقادات التي تُوجَّه اليوم إلى الحزب، بكونه “لم يعد كما كان”، تبدو في جوهرها اعترافا غير مباشر بقدرته على التكيّف. فالأحزاب التي تجمدت عند لحظة تاريخية تحولت إلى هوامش، بينما اختار الاستقلال أن يتحمل كلفة التحول بدل راحة الجمود. السياسة هنا ليست حنينًا، بل مسؤولية تجاه الحاضر.

ما يميز الخط السياسي الحالي للحزب، كما يقوده نزار بركة، هو هذا الانتقال الواضح من خطاب المواقع إلى خطاب النتائج. المشاركة في الحكومة أو المعارضة لم تعد غاية، بل وسيلة مشروطة بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين. هذه المقاربة، رغم هدوئها، تحمل في عمقها قطيعة مع منطق سياسي ساد طويلا، حيث كانت الشعارات تسبق الإنجاز.

الرهان الحقيقي الذي يخوضه الحزب اليوم هو الدفاع عن الفئات التي تُنتج الثروة دون أن تنال نصيبها العادل منها: الطبقة المتوسطة، الأجراء، المتقاعدون، والمقاولات الصغرى. هذا ليس اختيارا شعبويا، بل تموقع استراتيجي يضع الحزب في قلب معركة إعادة التوازن للاقتصاد الوطني. فالدفاع عن القدرة الشرائية، وعن عدالة جبائية حقيقية، وعن شروط تنافسية منصفة، يعني بالضرورة مواجهة بنى اقتصادية مريحة اعتادت الاستفادة من اختلالات قائمة.

وفي هذا السياق، يصبح دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة أكثر من مجرد إجراء اقتصادي؛ إنه خيار سياسي يعيد توزيع الفرص ويُحرّك عجلة التشغيل والتنمية المحلية. إنه رهان على مغرب الإنتاج لا مغرب الامتيازات، وعلى اقتصاد مفتوح لا تحكمه شبكات مغلقة.

أما على المستوى الترابي، فإن قوة الحزب لا تُقاس فقط بخطابه المركزي، بل بامتداده داخل الجماعات والجهات. هناك، حيث تُصنع السياسات العمومية في تماس مباشر مع المواطن، يثبت الحزب أن العمل السياسي لا يُختزل في المنابر، بل يُبنى في تفاصيل الحياة اليومية.

قد لا يكون أسلوب القيادة صاخبا، وقد لا يبحث عن الإثارة، لكن في زمن الضجيج، يصبح الهدوء قوة. فالتعاطي مع ملفات معقدة كالماء، والبنيات التحتية، والاقتصاد، يتطلب نفسا إصلاحيا لا نزعة استعراضية. وهذا بالضبط ما يمنح الخط الاستقلالي مصداقيته: التركيز على الحلول بدل استهلاك القضايا إعلاميا.

وفي موازاة ذلك، يراهن الحزب على تجديد نفسه من الداخل، عبر فتح المجال أمام الشباب، ليس كشعار، بل كمسار تأطير وتكوين يهدف إلى إنتاج نخب سياسية جديدة قادرة على الفهم والتأثير. إنها دينامية تعكس وعيا بأن المستقبل لا يُدار بأدوات الماضي فقط.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن حزب بقدر ما يتعلق بالدفاع عن فكرة: أن السياسة يمكن أن تكون أداة إنصاف، وأن الفعل الحزبي يمكن أن يستعيد معناه عندما يرتبط فعليا بقضايا الناس.

حزب الاستقلال اليوم لا يطلب أن يُقاس بماضيه، بل بما يقدمه من أجوبة لمغرب اليوم… وهنا تحديدا، تبدأ المعركة الحقيقية. 




الأربعاء 6 ماي 2026
في نفس الركن