كتاب الرأي

الاستحقاق أم الاستسلام : الخيار الاقتصادي الحاسم للمغرب


غالبًا ما يكون النقاش حول الكفاءة محفوفًا بالفخاخ. فالبعض يراه مجرد خطاب أخلاقي، والآخرون يرونه وعدًا مجردًا بالمساواة في الفرص. ومع ذلك، وراء هذه الفكرة تكمن مسألة اقتصادية صرفة، تتمثل في التأكيد على تقدير الكفاءة والمهارة وتكافؤ الوصول إلى الفرص كأساس لدولة ذات مصداقية، وهو ما يضعه ميثاق 11 يناير للشباب من خلال هذا التشخيصً المباشر : الاقتصاد الذي لا يكافئ الجهد ينظم ركوده بنفسه.



بالنسبة للشاب، تُعد مسألة الكفاءة أمرًا حاسمًا. فهي تؤثر على خيارات التوجيه، والاستثمار في التكوين، والرغبة في ريادة الأعمال أو الانخراط في العمل العمومي. عندما تكون قواعد اللعبة واضحة وعادلة، يصبح الجهد منطقيًا ومجدياً. أما إذا كانت غامضة أو منحازة، يظهر الجهد وكأنه مضيعة للوقت. ويعم الإحساس بالاستسلام،  يكون صامتًا لكنه مكلف في نفس الوقت.

من الناحية الاقتصادية، يؤدي غياب الكفاءة إلى تشويه توزيع الموارد البشرية. فالوظائف لا تُشغل دائمًا بأكثر الكفاءات تأهيلاً،  كما أن المشاريع الأكثر ابتكارًا تواجه صعوبة في الظهور، ويؤثر ذلك على الأداء العام للاقتصاد. ويزداد هذا التأثير سلبية في بلد شاب، حيث يشكل رأس المال البشري الميزة التنافسية الأساسية.

يعد الاستسلام أكثر الآثار السلبية التي نقلل من شأنها. فهو لا يظهر في شكل أزمات مفاجئة، بل من خلال تآكل تدريجي للالتزام والمبادرة. قلة المبادرات، وتراجع المخاطرة، ونقص الاستثمار الشخصي. وعلى المستوى الماكرو اقتصادي ، تتحول هذه الظاهرة إلى نمو ضعيف وصعوبة في تحقيق القفزات النوعية.

يذكر ميثاق 11 يناير أن تكافؤ الوصول إلى الفرص مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالكفاءة. فالمسألة ليست إنكارا للفوارق الأولية، بل يجب تصحيحها لضمان عدالة تنافسية. وبدون سياسات عمومية قادرة على تعويض العوائق الأولية، تتحول الكفاءة إلى شعار فارغ، يقتصر على من هم بالفعل في وضع مميز.

على صعيد التشغيل،  تقدير الكفاءة يعني اعتماد مباراة توظيف شفافة، ومعايير واضحة، وآليات تقدم قابلة للمتابعة. بالنسبة للشباب، تُعد هذه العناصر أساسية، إذ تمكنهم من التخطيط لمستقبلهم، وفهم القواعد، وقبول بذل الجهد. ومرة أخرى، تُعد الثقة المحرك الخفي للأداء.

في مجال ريادة الأعمال، تتحقق الكفاءة من خلال تمكين الوصول العادل إلى التمويل والأسواق والدعم. عندما يبدو أن الفرص محتكرة من قِبل القلة، تتراجع الابتكارات إلى الاقتصاد غير المهيكل أو يتم استقطابها من الخارج. وعلى عكس ذلك، يجذب نظام يتسم بالعادلة الكفاءات ويحفز المنافسة.

هناك أيضًا تحدٍ مؤسسي كبير. فالدولة التي تثمّن الكفاءة تعزز مصداقيتها. و بالتالي يقبل الشباب القواعد والقيود وحتى التضحيات بسهولة أكبر عندما يشعرون بأن النظام يعمل بشكل صحيح.هذه القبولية تُعد عاملاً رئيسيًا للتماسك الاقتصادي والاجتماعي.

بحلول عام 2040، سيواجه المغرب شبابًا كثيف العدد، متصلًا و واعيا بمطالبه. الاختيار  سيكون واضحا : إما الاعتماد على اقتصاد الاستسلام، حيث لا يُكافأ الجهد ويصبح الهروب منطقياً، أو بناء اقتصاد الكفاءة، حيث تجد كل مهارة مكانها ويصبح الشباب المحرك الرئيسي للنمو.

يفصل ميثاق 11 يناير ضمنيًا في هذا المأزق. ويذكرنا أن الكفاءة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة اقتصادية. فالدولة التي تثبط عزيمة شبابها تثبط مستقبلها.





الخميس 15 يناير 2026
في نفس الركن