كتاب الرأي

الأزمة الطاقية : المغرب أكثر استعدادًا مما يبدو


في ظل الأزمة الطاقية العالمية الحالية، لا يواجه المغرب خطر الانهيار المفاجئ، لكنه يبقى معرضًا لتقلبات ملموسة تتطلب إدارة دقيقة وحكمة في التسيير



بقلم : عدنان بنشقرون

على الرغم من أن المملكة تستورد نحو 90٪ من حاجتها من الطاقة، وهو مستوى من الاعتماد الخارجي قد يبدو على الورق كافٍ لجعلها من بين الدول الأكثر هشاشة أمام أي صدمة نفطية أو غازية، إلا أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالمغرب يمتلك عدة عوامل تخفف من هذه الهشاشة، تشمل احتياطيات الصرف القوية، والتحويلات المالية للمهجر الأوروبي، وخط ائتماني مرن مع صندوق النقد الدولي، فضلاً عن مورده الاستراتيجي النادر : الفوسفاط، الذي يمثل أداة اقتصادية واستراتيجية مهمة في أوقات الأزمات.

الاعتماد الكبير على الواردات جعل المغرب معرضًا بنيويًا لمخاطر الطاقة، خصوصًا منذ توقف مصفاته الوحيدة عام 2015، ما جعله يعتمد كليًا على الخارج لتشغيل النقل، جزء من الصناعات، اللوجستيك، وتأثير ذلك على أسعار السلع والخدمات. ومع ذلك، ليست كل الدول المستوردة للطاقة متشابهة في طريقة امتصاصها للصدمات؛ المغرب، رغم هشاشته الظاهرة، يمتلك قدرة نسبية على الصمود والتكيف، بحيث لا يندرج مباشرة ضمن الاقتصاديات الأكثر ضعفًا.
 

هيكلة مصادر الطاقة بالمغرب تعطيه ميزة إضافية. فالمملكة لم تكتفِ بالاعتماد على الخليج العربي، بل وسعت خلال السنوات الأخيرة مشترياتها من منتجات الطاقة الروسية، سواء الديزل أو الفحم أو الغاز العابر لإسبانيا، ما يقلل من هشاشتها تجاه أي صدمة مركزة على منطقة الخليج. هذا التنويع لا يلغي المخاطر، لكنه يقلل من تعرض المغرب لمواجهة صدمة واحدة محددة.

على صعيد التحويلات المالية، يتميز المغرب عن كثير من الدول المستوردة للطاقة التي تعتمد على التحويلات من العمالة في الخليج، إذ أن الغالبية العظمى من تحويلات المغاربة تأتي من أوروبا، خصوصًا فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، بلجيكا وهولندا. هذا الأمر يمثل حماية حقيقية: أي أزمة في الخليج قد ترفع أسعار الطاقة، لكنها لن تقطع روابط التحويلات المالية للمغاربة في أوروبا.

 الجانب المالي يشكل عنصرًا ثالثًا في قدرة المغرب على امتصاص الصدمات. الاحتياطيات الأجنبية توفر تغطية عدة أشهر للواردات، والعجز الجاري تحت السيطرة، والدين الخارجي ليس على شكل قنبلة موقوتة. بالإضافة لذلك، يمتلك المغرب خط ائتماني مرن من صندوق النقد الدولي، وهو مؤشر على تقييم المؤسسات الدولية لصلابة اقتصاده وقدرته على مواجهة ضغوط مؤقتة دون الانزلاق إلى أزمة سيولة مباشرة.

 عامل آخر مهم وغالبًا ما يُغفل : الفوسفاط. المملكة، من خلال المكتب الشريف للفوسفاط، تمتلك قدرة على تعويض جزء من أعباء ارتفاع أسعار الطاقة عبر تعزيز صادرات الفوسفاط ومشتقاته، ما يوفر نوعًا من التوازن الجزئي. هذه الأداة ليست حماية مطلقة، لكنها ميزة استراتيجية نادرة في سياق المقارنات الدولية.

 بالتالي، يجب تجنب خطأين متقابلين : الأول، الاعتقاد بأن الاعتماد الكبير على الطاقة يجعل المغرب في خطر بالغ، والثاني، الافتراض بأن الاحتياطيات والفوسفاط وخط الائتمان تحميه بالكامل. الحقيقة أكثر دقة؛ المغرب قادر على امتصاص الصدمات، لكنه لن يفلت بلا أثر. المخاطر الحقيقية ليست انهيارًا ماليًا مفاجئًا، بل انعكاسات اجتماعية وسياسية ملموسة، مثل التضخم المستورد الذي قد يرفع أسعار النقل، الطاقة، المواد الغذائية، ويضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.

 في النهاية، المغرب ليس دولة محمية بالكامل، ولا هو دولة محكوم عليها بالفشل. إنه في منطقة وسطى، يمكنها امتصاص الصدمات لكن ليس بلا ألم. القوة تكمن في امتلاك أدوات لتخفيف التأثيرات الخارجية، وفي القدرة على إدارة الصدمات بسرعة وفعالية. الأزمة العالمية الحالية لن تسبب صدمة قلبية للمغرب، لكنها تتطلب من الدولة قيادة دقيقة، استهدافًا صحيحًا، وتفادي تحويل أي صدمة خارجية إلى أزمة اجتماعية داخلية. هذا هو اختبار القدرة الحقيقية للمملكة على الصمود في مواجهة التحديات الطاقية القادمة





الخميس 26 مارس 2026
في نفس الركن