بقلم : عدنان بنشقرون
لأنه مع تكرار الحديث عن المواطنين كضحايا سلبيين للأخبار الزائفة، ننسى أحيانًا أنهم ليسوا فقط متلقّين للتضليل، بل أصبحوا أيضًا فاعلين في التحقق، وفي الشك، وفي المقارنة، وأحيانًا في مساءلة وسائل الإعلام علنًا.
وهذا ما يبدو أن الاستشارة التي أُجريت مع قراء L’ODJ Média تشير إليه بشكل غير مباشر. فحين طُرح سؤال حول الصحافة في عصر الشبكات الاجتماعية والأخبار الزائفة، لم يطالب جزء كبير من المشاركين بوصاية أكبر على حكمهم، بل طالبوا بمعلومة أكثر صلابة ووضوحًا وقابلية للتحقق. أي باختصار: لا تفكروا بدلًا عنا، بل أعطونا ما يساعدنا على التفكير بأنفسنا.
هذه الرسالة قد تُزعج، وقد لا تُستقبل جيدًا داخل مهنة تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وضغوط سياسية وسرعة رقمية ومنافسة شرسة من المنصات. لكنها تستحق أن تُسمع دون توتر.
الجمهور ليس كتلة واحدة. هناك مستخدمون سذّج، بالطبع. وهناك من يشارك بسرعة، ويصدق بسرعة، ويغضب بسرعة. وهناك أيضًا حملات منظمة، وصور مُفبركة، وروايات كاذبة، وحسابات مجهولة تصنع الشك بشكل متواصل. كل هذا موجود، وإنكاره سيكون تصرفًا غير مسؤول.
لكن اختزال الجمهور في هذه الهشاشة سيكون غير مسؤول أيضًا. كثير من القراء تعلّموا الحذر. يعرفون أن فيديو ما قد يُقتطع من سياقه. يعرفون أن عنوانًا ما قد يكون مضللًا. يعرفون أن صورة قد تعود إلى بلد آخر، أو حرب أخرى، أو أزمة أخرى. كما يعرفون أن وسيلة إعلام قد تختار زاوية معينة، وتُبرز بعض الحقائق وتُخفي أخرى.
هذه الوعي النقدي ليس دائمًا منهجيًا أو منظمًا. أحيانًا يكون مشوشًا، مبالغًا فيه، عاطفيًا. لكنه موجود، ومن الخطأ أن يُحتقر من طرف الصحفيين.
المفارقة هنا هي أن وسائل الإعلام كثيرًا ما تنتقد تشكك الجمهور، لكنها في الوقت نفسه طالما طلبت منه أن يثق بها بشكل كبير :
أن يثق في حيادها.
أن يثق في هرمية اختيارها للأخبار.
أن يثق في انتقائها للمواضيع.
أن يثق في صمتها عن بعض القضايا.
أن يثق في حسن نيتها الدائم.
لكن القارئ المعاصر لم يعد مستعدًا لمنح هذه الثقة بشكل تلقائي. إنه يريد دلائل على المنهج.
لم يعد يكفي أن يقال : «هذه المعلومة خاطئة». بل يجب شرح السبب. ولم يعد يكفي القول: «حسب مصادرنا». بل يجب، عندما يكون ممكنًا، توضيح طبيعة هذه المصادر ودرجة موثوقيتها وحدود ما يمكن نشره. ولم يعد يكفي القول: «السياق مهم». بل يجب تقديمه بشكل واضح، دون إغراق القارئ في لغة مهنية معقدة.
هنا يمكن للصحافة أن تستعيد قوتها. ليس عبر تقديم نفسها كحاملة وحيدة للحقيقة، بل كمنهج عمل. فالصحفي ليس أفضل من المواطن لأنه يمتلك ذكاءً خاصًا، بل لأنه يخصص الوقت والأدوات والعلاقات للتحقق مما يصل للآخرين بشكل متسارع وفوضوي.
المشكلة الحقيقية للأخبار الزائفة ليست فقط في أن الناس يصدقون كل شيء، بل أيضًا في أن النظام المعلوماتي أصبح سريعًا أكثر من قدرة التحقق، عاطفيًا أكثر من قدرة التوازن، ومجزأً أكثر من قدرة بناء ذاكرة جماعية. في هذا الاضطراب، تبقى مهمة الصحفي الأساسية هي التمهل، والمقارنة، والتفسير، ووضع السياق.
لكن هذه المهمة لا يجب أن تُمارس ضد الجمهور، بل معه.
ربما يجب الانتقال من صحافة تقول : «سنحميكم من التضليل»، إلى صحافة تقول : «سنُريك كيف نميز بين المعلومة القوية والضعيفة». الفرق هنا كبير جدًا. ففي الحالة الأولى يُعامل القارئ كقاصر يحتاج الحماية، وفي الثانية كمواطن يُحترم.
المستخدمون لا يرفضون الخبرة بالضرورة، لكنهم يرفضون أحيانًا تحويلها إلى سلطة فوقية. لا يرفضون الصحفي، لكنهم يرفضون الصحفي الذي يبدو وكأنه يقول : «بدوني ستكونون تائهين».
والحقيقة أكثر تعقيدًا : بدون الصحفيين سيكون الجمهور أضعف من حيث الأدوات، لكن بدون جمهور نقدي ستصبح الصحافة كسولة، مستقرة، وراضية عن ذاتها.
ربما هذا ما تكشفه هذه الاستشارة : الثقة لا تُبنى بطلب أن يكون المواطن أقل تشككًا، بل بتقديم أسباب قوية تدفعه لأن يقلّ تشككه.
لذلك، فإن محاربة الأخبار الزائفة لا يجب أن تتحول إلى ذريعة جديدة لاحتقار الجمهور أو معاملته كقاصر. بل يجب أن تكون فرصة لإعادة بناء عقد أكثر نضجًا بين الإعلام والقراء، عقد يقوم على الشفافية، والتربية الإعلامية، والاختلاف المشروع، والاعتراف بحقيقة بسيطة: للقارئ الحق في أن يتحقق ممن يتحقق.
وهذا الحق لا يُضعف الصحافة، بل يُجبرها على أن تكون أفضل.