كتاب الرأي

ازدهار الأثرياء في المغرب: مؤشرات نمو أم اتساع للفجوة الاجتماعية؟


تشهد المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية عميقة، لم تعد تقتصر على مؤشرات النمو الكلاسيكية، بل امتدت لتنعكس على البنية الاجتماعية نفسها، من خلال تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الأشخاص ذوي الثروات الكبيرة، وهو ما يجعل المغرب ضمن الدول الإفريقية الأسرع نمواً في هذه الفئة. غير أن هذا المعطى، رغم ما يوحي به من ازدهار، يظل بحاجة إلى قراءة نقدية متأنية تتجاوز الانبهار بالأرقام نحو مساءلة مدلولاتها الحقيقية وحدودها الاجتماعية.



بقلم: سارة البوفي

من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إنكار أن المغرب عرف خلال العقد الأخير دينامية لافتة في تنويع مصادر الثروة. فقد ساهمت الإصلاحات التدريجية في مناخ الأعمال، وتطوير البنيات التحتية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، في خلق فضاءات اقتصادية جديدة. كما برزت قطاعات واعدة مثل الخدمات المالية، والعقار، والصناعات التصديرية، والاقتصاد الرقمي، وهي قطاعات بطبيعتها قادرة على توليد ثروات سريعة ومتراكمة. ويضاف إلى ذلك صعود فاعلين اقتصاديين جدد استفادوا من فرص السوق الداخلية والإقليمية، في سياق يتسم بانفتاح متزايد على الاقتصاد العالمي.

غير أن هذا التوسع في إنتاج الثروة يطرح سؤالاً محورياً: هل النمو في عدد الأثرياء يعكس بالضرورة تحسناً عاماً في الرفاه الاجتماعي؟ هنا تحديداً يبدأ الجانب الحجاجي في التفكك، لأن الارتباط بين تراكم الثروة لدى فئة محدودة وبين تحسن شروط عيش الأغلبية ليس ارتباطاً آلياً. فالتجارب الاقتصادية المقارنة تُظهر أن ارتفاع المؤشرات المالية قد يترافق أحياناً مع اتساع الفوارق الاجتماعية إذا لم تُفعَّل آليات إعادة التوزيع بشكل فعال وعادل.

ومن ثم، يصبح من الضروري التمييز بين نوعين من النمو: نمو كمي يعبر عنه ارتفاع حجم الثروات وعدد الأثرياء، ونمو نوعي يُقاس بمدى انعكاس هذه الثروات على تحسين الخدمات العمومية، وتوسيع الطبقة الوسطى، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. وإذا كان المغرب قد حقق تقدماً في النوع الأول، فإن الثاني لا يزال يطرح تحديات بنيوية عميقة، تتعلق أساساً بضعف العدالة الجبائية، وتفاوت فرص الولوج إلى التعليم الجيد، والصحة، والشغل اللائق.

ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن بروز طبقة من الأثرياء ليس في حد ذاته مؤشراً سلبياً، بل قد يكون علامة على حيوية الاقتصاد وقدرته على خلق القيمة. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود الثروة، بل في مسار تشكلها وتوزيعها. فالثروة التي تتولد في سياق تنافسي شفاف وعادل، وتُعاد ضخها في الاقتصاد عبر الاستثمار والإنتاج، تختلف جذرياً عن ثروة تتراكم في بيئات يغلب عليها ضعف الرقابة أو محدودية المنافسة.

وهنا يبرز دور الدولة كفاعل توازني لا يمكن الاستغناء عنه. فالسوق، رغم كفاءته في إنتاج الثروة، لا يضمن وحده العدالة في توزيعها. لذلك، يصبح التدخل العمومي عبر سياسات جبائية عادلة، واستثمار اجتماعي قوي، ودعم مباشر للفئات الهشة، ضرورة وليس خياراً. إن غياب هذا التوازن قد يؤدي إلى تكريس اقتصاد ثنائي: فئة قليلة تملك وتستثمر وتراكم، مقابل أغلبية تكتفي بالاستهلاك المحدود أو تعيش على هامش الدورة الاقتصادية.

وفي السياق المغربي، تزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى التفاوتات المجالية الواضحة بين المدن الكبرى والمناطق القروية أو شبه الحضرية، حيث لا تزال فرص التنمية غير متكافئة. فحين يتركز جزء كبير من الثروة في محاور حضرية محددة، فإن ذلك يخلق نوعاً من “التمركز الاقتصادي” الذي قد يضعف العدالة الترابية ويحد من فعالية النمو على المستوى الوطني الشامل.

وعليه، فإن ارتفاع عدد الأثرياء في المغرب يجب ألا يُقرأ كغاية في حد ذاته، بل كمؤشر ضمن منظومة أوسع تحتاج إلى التوازن. فالقيمة الحقيقية لأي نموذج تنموي لا تُقاس بعدد المليونيرات، بل بقدرته على تحويل الثروة إلى رفاه جماعي، وإلى فرص متكافئة، وإلى مجتمع أكثر تماسكاً.

في النهاية، يمكن القول إن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي مهم: إما ترسيخ نموذج نمو يراكم الثروة دون ضمان توزيع عادل لها، أو التوجه نحو نموذج أكثر شمولاً، يجعل من العدالة الاجتماعية جزءاً بنيوياً من عملية خلق الثروة نفسها، لا مجرد نتيجة لاحقة لها.




الثلاثاء 9 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن