بقلم : عدنان بنشقرون
في هذه الأزمة، لم يعد الضباب المعلوماتي مجرد أثر جانبي، بل أصبح فاعلاً أساسياً في حد ذاته.
أول مفارقة في هذه الأزمة هي مفارقة سياسية بامتياز. البيت الأبيض نفى بشكل رسمي أنه طلب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، لكنه في الوقت نفسه اعترف بأن محادثات غير مباشرة لا تزال جارية، وأن جولة جديدة من المفاوضات قد تُعقد في باكستان. بمعنى آخر: لا طلب رسمي لتمديد الهدنة، لكن العمل مستمر على صياغة إطار تفاوضي جديد. هذا الخطاب المزدوج ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يعكس رغبة واشنطن في إبقاء جميع الخيارات مفتوحة: التفاوض، التهديد، الضغط، وربما التصعيد، ثم العودة من جديد إلى طاولة الحوار.
وسط هذا الغموض، تبرز باكستان كوسيط غير متوقع. فقد وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران في محاولة لإعادة إحياء قنوات الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، بعد جولة أولى من المحادثات المباشرة في باكستان انتهت دون اتفاق. مجرد وجود هذا الدور الوسيط يؤكد أن لا طرف يريد فعلاً إغلاق باب الدبلوماسية بشكل كامل. لكن الرسائل تظل ضبابية: حديث عن “تقدم”، و”جولة ثانية”، و”تفاؤل حذر”، بينما تبقى الملفات الجوهرية دون حل، من الملف النووي إلى أمن المنطقة وحرية الملاحة.
ثم يأتي دونالد ترامب ليضيف طبقة إضافية من الارتباك تكاد تكون سريالية. فبحسب وكالة رويترز، يقول ترامب في الوقت نفسه إن الحرب تقترب من نهايتها، وإن الصين تعهدت بعدم تسليح إيران، وإنه يعمل على “فتح دائم” لمضيق هرمز. وفي الوقت نفسه أيضاً، يلمّح إلى أن إنهاء الصراع قد يتم عبر اتفاق سياسي أو عبر القضاء على القدرات الإيرانية. المشكلة هنا أن الخطاب الرئاسي يتأرجح باستمرار بين التصعيد العسكري، والتسويق السياسي، والوعود الكبرى. ومع كثرة التصريحات، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو استراتيجية فعلية وما هو مجرد خطاب إعلامي.
على الأرض البحرية، لا يقل المشهد تعقيداً. فقد أعلن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في 12 أبريل عن فرض قيود على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضمان حرية الملاحة للسفن العابرة بين موانئ غير إيرانية. لاحقاً، تحدثت رويترز عن تراجع بعض السفن بعد دخول هذه الإجراءات حيز التنفيذ. الرسالة الأمريكية على الورق تبدو واضحة: ضغط اقتصادي وملاحي على إيران دون إغلاق كامل للمضيق.
لكن الواقع البحري يروي قصة مختلفة نسبياً. فقد أظهرت بيانات تتبع نقلتها الجزيرة أن حركة السفن لم تتوقف كلياً، رغم أنها تراجعت بشكل ملحوظ. كما أكدت رويترز أن ناقلتين عملاقتين خاضعتين للعقوبات الأمريكية تمكنتا من دخول الخليج رغم القيود. بمعنى آخر: الولايات المتحدة تعلن تشديد الخناق، لكن ثغرات ما تزال قائمة. مضيق هرمز لا يبدو مغلقاً بالكامل ولا مفتوحاً بشكل طبيعي، بل في منطقة رمادية خطيرة، تتحكم فيها عوامل متعددة: نوع السفينة، مسارها، علمها، وحتى تاريخها في العقوبات.
هذا الغموض يمتد أيضاً إلى أدوات الضغط الاقتصادي الأمريكية. فقد أكد الخزانة الأمريكية أنها لن تجدّد الاستثناءات المؤقتة التي كانت تسمح ببعض صادرات النفط الإيراني، مع تحديد 19 أبريل كموعد نهائي للإجراء المتعلق بطهران. وفي المقابل، تلوّح واشنطن بعقوبات ثانوية ضد أي جهة تواصل التعامل مع هذا النفط. مرة أخرى، الرسالة مزدوجة: خنق اقتصادي من جهة، وترك نافذة صغيرة مفتوحة من جهة أخرى.
وتأخذ الأزمة بعداً أكثر حساسية مع دخول الصين على الخط. فبحسب بلومبرغ، فإن الهدف غير المعلن للضغط الأمريكي هو أيضاً بكين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني. رويترز نقلت أن ترامب طالب علناً الرئيس الصيني شي جين بينغ بعدم تزويد إيران بالسلاح، مهدداً في الوقت نفسه برسوم جمركية قد تصل إلى 50% على أي دولة تدعم تسليح طهران. في المقابل، تصف بكين الإجراءات الأمريكية بأنها “خطيرة وغير مسؤولة”. وهكذا لم تعد الأزمة ثنائية بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى اختبار أوسع بين منطق الضغط الأمريكي ومصالح الطاقة الصينية.
أما روسيا، فتراقب المشهد من الخارج وتضيف إليه طبقة جديدة من الشك. فموسكو ترى أن الحل العسكري لن ينهي الأزمة، وتلمّح إلى أن ما يجري قد يكون مجرد تمهيد لتصعيد أكبر. هذا الموقف ليس بريئاً، لكنه يجد أرضية خصبة في ظل التناقضات الأمريكية: حديث عن التهدئة بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري، وكلام عن السلام في الوقت الذي تتشدد فيه العقوبات.
في نهاية المطاف، ربما تكمن الحقيقة الوحيدة الواضحة في هذا المشهد المعقد في أن أحداً لم يعد يملك السيطرة الكاملة على السرد. واشنطن تتحدث عن ضبط الإيقاع، لكن السفن ما تزال تتحرك. ترامب يعد بحل قريب، لكن الوسطاء ما زالوا يتنقلون بين العواصم. الصين تنفي، الولايات المتحدة تتهم، روسيا تشكك، وإيران تراقب وتنتظر. أما سوق الطاقة العالمي، فيتعامل مع مضيق هرمز كما لو أنه فتيل مشتعل فوق برميل نفط.
كل طرف يعلن أنه يتحكم في الأزمة، لكن النتيجة أن الأزمة تبدو أكبر من الجميع. وفي ظل هذا الضجيج، تصبح المعلومة نفسها جزءاً من المعركة.
ببساطة: لم تعد هذه مجرد أزمة إقليمية… بل أزمة أصبح فيها الغموض جزءاً من الاستراتيجية نفسها.