كتاب الرأي

إصلاح المجالات الترابية لتصحيح مغرب "بسرعتين"


إن إعادة التفكير في التراب الوطني بالمغرب ليست مسألة تقنية أو إدارية عابرة، بل هي في جوهرها سؤال سياسي وتنموي كبير : كيف يمكن جعل التنمية شاملة، بحيث لا تظل محصورة في مناطق محدودة تستفيد من البنيات التحتية والاستثمارات والخدمات، بينما تستمر مناطق أخرى في الانتظار الطويل لحضور الدولة وتجلياتها الملموسة؟ هذا هو الإطار العميق الذي تُطرح داخله اليوم برامج التنمية الترابية المندمجة.



بقلم : عدنان بنشقرون

كما جرت العادة عقب انعقاد مجلس وزاري برئاسة جلالة الملك محمد السادس، فإن التعاطي مع هذه المخرجات لا ينبغي أن يكون سريعاً أو سطحياً. المطلوب أولاً هو القراءة المتأنية، وإعادة القراءة، والتأمل في كل مصطلح وصياغة، لأن مثل هذه النصوص لا تُقدَّم كإعلانات ظرفية، بل كاختيارات استراتيجية ترسم اتجاهات السياسات العمومية وتحدد إيقاع العمل المؤسساتي.

 

 ما يجري اليوم يتجاوز بكثير مجرد تحديث آليات تدبير الشأن المحلي. إنه إعادة صياغة فعلية لمنظومة الجهوية المتقدمة: من حيث آليات الاشتغال، وسلاسل اتخاذ القرار، وطرق التمويل، وأدوات التتبع، وأساساً القدرة على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. بمعنى آخر، لم يعد الأمر يتعلق فقط بمبدأ دستوري، بل بكيفية تحويله إلى أثر فعلي في حياة المواطنين.
 

المفردات التي تؤطر هذه المرحلة ليست محايدة : القرب، التشاور، الإنصات، الشفافية، التقييم، والاندماج. قد تبدو هذه المصطلحات مألوفة في خطاب تحديث الإدارة العمومية، لكنها مجتمعة تشير إلى تحول أعمق في فلسفة التدبير الترابي. الهدف لم يعد إدارياً صرفاً، بل هو محاولة واضحة لتقليص الفوارق بين المجالات الترابية، في مواجهة واقع “مغرب بسرعتين” أو حتى بسرعات متعددة، حيث تتباين مستويات التنمية بشكل واضح بين الجهات.
 

ولا يمكن إنكار أن هذا الورش كان يفرض نفسه منذ سنوات. فالجهوية المتقدمة طُرحت كأحد أعمدة النموذج التنموي، باعتبارها وسيلة لتقريب القرار من المواطن، وإعادة توزيع الاستثمار بشكل أكثر عدالة، وتمكين المناطق من بلورة مسارات تنموية خاصة بها. غير أن التطبيق العملي كشف عن اختلالات متعددة: تداخل الاختصاصات، بطء التنفيذ، محدودية الإمكانيات لدى بعض الفاعلين المحليين، واستمرار ثقل المركز في صناعة القرار. النتيجة كانت بطئاً نسبياً في تحقيق الأثر المنشود.
 

اليوم، يتم طرح سؤال أكثر مباشرة : من يقرر؟ من ينفذ؟ من ينسق؟ من يمول؟ ومن يُحاسَب؟ هذه الأسئلة تعكس رغبة في إعادة ترتيب السلسلة المؤسساتية حتى تصبح أكثر وضوحاً وفعالية، لأن غياب وضوح المسؤوليات كان دائماً أحد أبرز أسباب تعثر المشاريع الترابية.
 

أحد أهم التحولات في هذا الورش الجديد هو الانطلاق من المعطيات الميدانية بدل التصورات المركزية. أي أن البرامج التنموية يجب أن تُبنى على تشخيصات دقيقة على مستوى الأقاليم والعمالات، تأخذ بعين الاعتبار مؤشرات التنمية، وحاجيات السكان في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية والماء والتشغيل. هذا التحول يبدو بسيطاً نظرياً، لكنه في الواقع يعكس تغييراً في فلسفة التدبير: من منطق “التخطيط من الأعلى” إلى منطق “البناء من الأسفل”.
 

هذا التوجه يطرح أيضاً مسألة العدالة الترابية بشكل مختلف. فالمساواة الشكلية في توزيع المشاريع لا تؤدي بالضرورة إلى إنصاف فعلي، لأن كل منطقة لها خصوصياتها واختلالاتها. لذلك، يصبح التمييز الإيجابي المبني على الحاجيات الواقعية ضرورة وليس خياراً.
 

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التشخيص، بل في تحويله إلى قرارات قابلة للتنفيذ. فالتقارير قد تكون دقيقة، لكن بدون تحديد أولويات واضحة وآجال زمنية قابلة للقياس، تتحول إلى وثائق تقنية لا تغير الواقع. لذلك، تصبح مسألة التدرج، وترتيب الأولويات، وربط التمويل بالنتائج، عناصر حاسمة في نجاح أي إصلاح ترابي.
 

وفي هذا السياق، يكتسب الحجم المالي المخصص لهذا الورش أهمية خاصة، ليس فقط من حيث الرقم، بل من حيث دلالته السياسية. فهو يعكس اعترافاً ضمنياً بأن معالجة الفوارق المجالية تحتاج إلى استثمار ضخم ومستمر، وليس إلى تدخلات جزئية أو ظرفية. غير أن حجم التمويل وحده لا يكفي، ما لم يُرافق بحكامة صارمة، ووضوح في المسؤوليات، وآليات دقيقة للتقييم والمراقبة.
 

من بين النقاط الحاسمة أيضاً مسألة قابلية المشاريع للتنفيذ. فالتجربة أثبتت أن عدداً من المشاريع التنموية يتعثر ليس بسبب نقص التمويل، بل بسبب مشاكل مرتبطة بالعقار، أو غياب الدراسات التقنية، أو تعقيد المساطر الإدارية. لذلك، أصبح من الضروري إدخال مفهوم “نضج المشاريع” كشرط أساسي قبل الانطلاق في التنفيذ.
 

كما أن إدماج الرقمنة في تتبع البرامج الترابية يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية، من خلال تمكين مختلف الفاعلين من متابعة تقدم المشاريع، ورصد التأخرات، وتحديد مكامن التعثر. غير أن فعالية هذه الأدوات تبقى مرتبطة بمدى استخدامها الفعلي كآلية للمحاسبة وليس فقط كأداة للتتبع الشكلي.
 

ويبرز أيضاً البعد المتعلق بتقوية قدرات الفاعلين الترابيين، سواء على مستوى المنتخبين أو الإدارات المحلية أو المصالح اللاممركزة. فبدون موارد بشرية مؤهلة وقادرة على إعداد المشاريع وتتبعها وتقييمها، تبقى أي جهوية متقدمة محدودة الأثر.
 

كما أن نجاح هذا الورش يمر أيضاً عبر تعزيز التعاون بين الجهات بدل تنافسها غير المنتج. فالتنمية الترابية ليست سباقاً بين المجالات، بل شبكة مترابطة تحتاج إلى تكامل وتنسيق، خاصة في ما يتعلق بالبنيات التحتية الكبرى والاستثمارات الاستراتيجية.
 

في العمق، يتعلق الأمر بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتراب. لم تعد الدولة مجرد موزع للموارد، بل أصبحت مطالباً بأن تكون ضامنة للإنصاف الترابي، وموجهاً للاستثمار، ومقيماً للنتائج. وفي المقابل، لم تعد الجهات مجرد وحدات إدارية، بل أصبحت فاعلاً تنموياً مسؤولاً عن إنتاج القيمة.
 

ويبقى الاختبار الحقيقي لهذه الإصلاحات هو قدرتها على تغيير الواقع اليومي للمواطنين في المناطق الأقل استفادة من التنمية. فإذا لم تنعكس هذه البرامج على تحسين الولوج إلى الخدمات، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، فإن كل هذا البناء المؤسساتي سيبقى محدود الأثر





الاثنين 20 أبريل 2026
في نفس الركن