بقلم عدنان بنشقرون
في الساحة السياسة، يُختَزَل الحدس غالبًا في القدرة على الفوز، وعلى الاستمرار، وعلى التمسك بالموقع مهما كان الثمن. غير أن هناك موهبة أدق، شبه خفية، لا يُتقنها إلا القليل من الفاعلين : موهبة قراءة المشهد كما تُقرأ نوتة موسيقية، واستشعار النغمة الزائدة، والأهم إدراك اللحظة التي ينبغي فيها وضع الأوراق السياسية جانبًا قبل أن تُنتزع قسرًا.
هذه العطيّة النادرة لا تلتبس بالتكتيك ولا بالمكر. إنها ذكاء الموقف، وبصيرة تكاد تكون رواقيّة : أن ترى، في خطاب ما، أو قرار، أو تحوّل في الرأي العام، خط الصدع الذي يُنبئ بالأفول. كبار السياسيين—أولئك الذين تُستحضَر أسماؤهم باحترام—هم الذين فهموا أنّ هناك مخارج لا ينبغي تركها تُغلَق.
في المغرب، كما في غيره، تحمل الذاكرة السياسية صور شخصيات عرفت كيف تُغادر المسرح في الوقت المناسب، من دون انتظار إهانة صناديق الاقتراع، أو غضب الجموع، أو إعصار الشبكات الاجتماعية. الانسحاب ليس فشلًا؛ إنه طريقة لإطالة نفع المسار. فبعد حد معيّن، يتحوّل الإصرار إلى ضرر : على الذات، وعلى الحزب، وعلى البلد قبل كل شيء، لأن الأوطان تحتاج إلى أن تتنفّس وتتجدّد.
يُظهر التاريخ أنّ من يتشبّثون بما يتجاوز المعقول يصبحون أسرى صورتهم. وفي النهاية يُدفَعون إلى الخارج، لا بعظمة، بل بملل جماعي. الشبكات الاجتماعية، بما هي مضخّمات للسخط، لا تُتيح هدنة لمن لا يعرف كيف ينسحب. موجة الصدمة قد تُحطّم في أيام ما بُني خلال عقود.
وعليه، فإن الفن السياسي الحقيقي لا يكمن فقط في انتزاع السلطة، بل في إتقان إيقاع المغادرة. الانسحاب في الذروة يحوّل الخاتمة إلى أسطورة. والانصراف في الوقت المناسب يمنح الوطن أناقة الاستمرارية. وهو أيضًا حفاظ على فكرة أنّ الرجل أو المرأة في السياسة يظلان في خدمة الأمة، لا العكس.
في عالم مشبَع بالصور، حيث تحترق السمعة أسرع من وسم رقمي، يصبح قول «كفى» فعلًا ثوريًا. من يقدرون عليه يتميزون عن سواهم: لا يتشبّثون بمقاعدهم كما لو كانت عوامات نجاة، بل يختارون بأنفسهم لحظة النزول من السفينة.
في الجوهر، لا تتعلّق هذه الندرة بالشجاعة وحدها، بل بالكرامة أيضًا. الاعتراف بانتهاء جدوى الدور السياسي هو قبول بأن التاريخ أكبر من الأفراد. وهو ما يُبقي المسار واضحًا، غير مُلطّخ بالعناد. وهو كذلك إتاحة مسرح للأجيال القادمة، محرّر من أشباح الماضي.
الأبواب الكبرى لا تُفتَح إلا لمن يعرف كيف يعبرها في الوقت المناسب. أمّا الذين ينتظرون أن يُدفَعوا إلى الخروج، فلا يخلّفون وراءهم سوى أنقاض وندم.
في السياسة المغربية، كما في كل الديمقراطيات قيد التشكّل، قد تكون هذه العطيّة النادرة هي الأثمن: قراءة العلامات، والرحيل قبل أن يصدر التاريخ قرار الإقالة.