هيكلة مؤسساتية قيد الإرساء
يجب أن يعقب توقيع الاتفاق الحكومي الدولي الآن عدد من المراحل العملية، ويعتزم الشركاء، على وجه الخصوص، إنشاء شركة للمشروع يُرتقب أن تتخذ من الدار البيضاء مقرًا لها. وستتولى هذه الهيئة مهمة تنسيق تطوير المشروع، وتمويله، وبنائه، واستغلاله.
كما يُنتظر إحداث هيئة عليا لحوكمة أنبوب الغاز تحمل اسم "Pipeline Higher Authority"، سيكون مقرها في أبوجا، عاصمة نيجيريا. وستتولى هذه المؤسسة تنسيق العمل بين مختلف الدول التي يمر عبرها الأنبوب، ومواءمة الأطر التنظيمية، وتسوية أي نزاعات محتملة، والسهر على احترام الالتزامات التي تعهدت بها الأطراف.
ويعكس اختيار الدار البيضاء وأبوجا مقرين لهاتين المؤسستين الرغبة في الحفاظ على توازن بين البلدين اللذين أطلقا المشروع، مع إشراك باقي الدول الشريكة بشكل وثيق، وستنصب المرحلة المقبلة على تعبئة المستثمرين، والبنوك، والمؤسسات المالية الدولية، والصناديق السيادية التي قد تساهم في تمويل المشروع، غير أن اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لن يكون ممكنًا إلا بعد استكمال الدراسات، واستيفاء الهيكلة القانونية للمشروع، وضمان الالتزامات المالية اللازمة.
لا يزال يتعين على المغرب وموريتانيا إضفاء الطابع الرسمي على انضمامهما
لن يتوقف المسار المؤسساتي عند توقيع اتفاق فريتاون. فالمغرب وموريتانيا، اللذان لا ينتميان إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، مطالبان بدورهما بالتوقيع المشترك على الاتفاق الحكومي الدولي خلال مراسم منفصلة.
ومن المرتقب أن تُنظم هذه المرحلة لاحقًا بحضور رئيس جمهورية نيجيريا الفيدرالية، وتكتسي مشاركة موريتانيا أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي على مسار أنبوب الغاز. كما أصبحت البلاد، خلال السنوات الأخيرة، فاعلًا ناشئًا في قطاع الغاز بفضل تطوير الموارد البحرية المشتركة مع السنغال.
وسيسمح انضمام المغرب وموريتانيا إلى الاتفاق باستكمال البنية القانونية التي تغطي كامل مسار المشروع، من نيجيريا إلى مضيق جبل طارق.
استثمار يُقدّر بـ25 مليار دولار
تُقدَّر الكلفة الإجمالية لمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بحوالي 25 مليار دولار. ويستوجب هذا المبلغ الضخم اعتماد هيكلة مالية تدريجية، من المرجح أن تعتمد على مزيج من رؤوس الأموال العمومية، والاستثمارات الخاصة، والتمويلات متعددة الأطراف، والشراكات الدولية.
ويرجع ارتفاع تكلفة المشروع إلى طول مساره، وتنوع المناطق التي يعبرها، وبناء محطات الضغط، والربط بالشبكات الوطنية، ومتطلبات حماية البيئة، إضافة إلى ضرورة تأمين البنية التحتية ميدانيًا.
كما ستعتمد الجدوى الاقتصادية للمشروع على إبرام عقود شراء طويلة الأمد مع الدول المستهلكة، ومشغلي محطات الكهرباء، والفاعلين الصناعيين، فضلاً عن المستوردين الأوروبيين المحتملين.
ومن المتوقع أن تدخل أولى المقاطع الخدمة مع بداية العقد المقبل، على أن يتم إنجاز المشروع تدريجيًا، عبر تشييد مقاطع متتالية تسمح بتزويد بعض الأسواق قبل اكتمال الممر بأكمله
الدراسات الأساسية اكتملت
بحسب المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن (ONHYM) والشركة الوطنية النيجيرية للبترول المحدودة (NNPC Ltd)، فقد أُنجزت الآن أهم الدراسات التقنية والبيئية والهندسية الخاصة بالمشروع. ويعني هذا التقدم أن المشروع بدأ يخرج تدريجياً من مرحلة النوايا السياسية ليدخل مرحلة التطوير العملي.
وشملت هذه الدراسات، على وجه الخصوص، تقييم جدوى المسار، والظروف الجيولوجية، والمقاطع البرية والبحرية، واحتياجات الضغط، والمخاطر البيئية، وإمكانيات الربط بالشبكات الوطنية.
غير أن تعقيد المشروع لا يزال كبيراً، إذ سيعبر أنبوب الغاز عدداً من الولايات القضائية، ومناطق تخضع لأطر تنظيمية مختلفة، فضلاً عن بعض الفضاءات المعرضة لمخاطر سياسية أو أمنية.
ولذلك، فإن نجاح هذا الورش سيتطلب تعاوناً مستداماً بين الحكومات، والمؤسسات العمومية، والهيئات التنظيمية، والشركاء الماليين.
بناء سوق إقليمية للغاز
يتمثل أحد الأهداف الرئيسية للمشروع في تجاوز مجرد تصدير الموارد الغازية النيجيرية. فأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يهدف إلى إنشاء سوق غازية متكاملة في غرب إفريقيا، تستطيع الدول التي يمر عبرها شراء الغاز وبيعه ونقله وفقاً لاحتياجاتها.
ومن شأن هذا التكامل أن يشجع على بناء شبكات وطنية، وتطوير محطات حرارية حديثة لإنتاج الكهرباء، وتحسين الولوج إلى الطاقة في المناطق التي لا تزال تعاني من ضعف التزويد.
كما يمكن أن يتيح لبعض الدول التي تمتلك موارد غازية محلية ضخها داخل هذا الممر الطاقي. وعندها لن يعود الأنبوب مجرد خط يربط نيجيريا بالمغرب، بل سيصبح عموداً فقرياً حقيقياً للطاقة على المستوى الإقليمي.
ويكتسي هذا البعد أهمية استراتيجية، إذ إن عدداً من اقتصادات غرب إفريقيا لا يزال يصدر مواده الأولية دون أن يتوفر على الطاقة اللازمة لتحويلها محلياً. ويمكن لولوج أكثر استقراراً إلى الغاز أن يدعم إنتاج الأسمدة، والبتروكيماويات، والصناعات الغذائية، والصناعات المعدنية، ومواد البناء.
أداة للتصنيع وتعزيز السيادة
بالنسبة إلى القائمين على المشروع، تشكل الأمن الطاقي شرطاً أساسياً لتحقيق السيادة الاقتصادية. فالدولة التي تفتقر إلى طاقة وفيرة ومستقرة وتنافسية تظل شديدة الاعتماد على الواردات، وتواجه صعوبة في بناء قاعدة صناعية حقيقية.
ومن ثم، يمكن لأنبوب الغاز أن يساهم في الحد من هشاشة الدول الإفريقية أمام تقلبات الأسواق الدولية واضطرابات الإمدادات، كما سيوفر مصدراً انتقالياً للطاقة يمكن أن يواكب تطوير الطاقات المتجددة، إذ يستطيع الغاز الطبيعي تعويض التذبذب الذي تعرفه الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية أو الريحية عندما تظل قدرات التخزين غير كافية.
ويندرج المشروع، بذلك، ضمن استراتيجية أوسع تجمع بين الولوج إلى الطاقة، والتصنيع، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي
أوروبا كمنفذ، لكن ليست الهدف الوحيد
إن ربط أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بشبكة أنبوب المغرب–أوروبا سيمنح المشروع بعداً جيوسياسياً إضافياً. فمنذ عدة سنوات، تسعى الأسواق الأوروبية إلى تنويع مصادر تزويدها بالطاقة وتقليص اعتمادها على عدد محدود من الموردين.
وفي هذا السياق، يمكن للغاز الإفريقي أن يشكل مصدراً مكملاً للإمدادات. غير أن المشروع لا يمكن اختزاله في مجرد ممر لتصدير الغاز نحو أوروبا.
فمدى قبوله سياسياً سيعتمد إلى حد كبير على قدرته، أولاً وقبل كل شيء، على تلبية احتياجات الدول الإفريقية التي يعبرها. لذلك، يجب أن يظل التصنيع الإقليمي، وتوسيع الولوج إلى الكهرباء، وخلق القيمة المضافة محلياً، في صلب نموذجه الاقتصادي.
ويهدف توزيع الكميات المبرمج، بحيث يخصص جزء منها للأسواق الإقليمية وجزء آخر للتصدير، إلى التوفيق بين هذين الهدفين.
المغرب يعزز موقعه كمحور للطاقة
بالنسبة للمغرب، يمثل أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي أكثر من مجرد مسار جديد للتزود بالغاز، إذ يمكن أن يعزز مكانة المملكة كمنصة طاقية تربط بين غرب إفريقيا، وحوض البحر الأبيض المتوسط، وأوروبا.
ويضاف المشروع إلى الاستثمارات المغربية في الموانئ، والشبكات الكهربائية، والطاقات المتجددة، وصناعة الأسمدة، والبنيات التحتية اللوجستية في إفريقيا.
ومن خلال احتضان مدينة الدار البيضاء لمقر شركة المشروع المرتقبة، يعتزم المغرب أيضاً توظيف منظومته المالية، وبنوكه، وشركات التأمين، وخبرته في تمويل المشاريع الإفريقية.
وبذلك، قد تتحول المملكة إلى مركز للتنسيق والتمويل والتحول الطاقي في خدمة الممر الأطلسي.
من الالتزام السياسي إلى اختبار التنفيذ
يمثل توقيع اتفاق فريتاون، بلا شك، تقدماً كبيراً للمشروع، إذ يمنحه شرعية جماعية ويعزز أسسه المؤسساتية، غير أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستتوقف الآن على قدرة الشركاء على تحويل الالتزامات السياسية إلى قرارات مالية وتقنية وصناعية ملموسة.
ولا تزال التحديات عديدة، من بينها تعبئة 25 مليار دولار، وضمان الاستقرار التنظيمي، وتأمين مسار الأنبوب، وتنسيق العمل بين ثلاث عشرة دولة، وضمان الجدوى الاقتصادية لكل مقطع من المشروع.
كما يشكل عامل الزمن تحدياً إضافياً، إذ إن المشاريع الإفريقية الكبرى العابرة للحدود غالباً ما تواجه تأخيرات مرتبطة بالتمويل، والإجراءات الإدارية، وتغير الأولويات السياسية.
ومع ذلك، يتمتع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بميزة أساسية، تتمثل في كونه يستجيب في الوقت نفسه لعدة احتياجات ملحة، من بينها دعم الولوج إلى الكهرباء، وتعزيز التصنيع، وتنشيط المبادلات الإقليمية، وتنويع الشركاء الطاقيين لأوروبا.
ممر للتنمية بين الاقتصادات الأطلسية
إلى جانب كميات الغاز التي سينقلها، يمكن للمشروع أن يساهم في إنشاء ممر اقتصادي حقيقي على طول الواجهة الأطلسية الإفريقية، فمحطات الضغط، والربط بالشبكات الوطنية، ومحطات إنتاج الكهرباء، والمناطق الصناعية الجديدة، قد تستقطب استثمارات وتوفر فرص عمل في الدول المعنية.
كما يمكن لأنبوب الغاز أن يشجع على تحديث الموانئ، والطرق، وشبكات الاتصالات، والبنيات الكهربائية المرتبطة به، ويظل التحدي الأساسي هو ضمان ألا تكون هذه البنية التحتية مجرد أنبوب يعبر أراضي الدول، بل أداة حقيقية للتحول الاقتصادي لفائدة السكان.
ومن خلال تكريس الانخراط الجماعي للدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، تؤكد قمة فريتاون أن المشروع دخل مرحلة جديدة. فلم يعد أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب مجرد مبادرة دبلوماسية بين بلدين، بل أصبح تدريجياً اختباراً عملياً لقدرة إفريقيا على تصميم وتمويل وإدارة بنياتها التحتية الاستراتيجية بنفسها.
أما المعركة المقبلة، فستكون معركة التنفيذ. فبعد الاتفاقيات، والدراسات، والإعلانات السياسية، سيحين الوقت الآن للبناء