بقلم : عائشة بوسكين
هذا يعني أننا لم نعد نتحدث عن حالات معزولة أو أخطاء فردية، بل عن صناعة احتيال رقمية متطورة تستهدف المغاربة بشكل يومي، مستفيدة من توسع الخدمات الإلكترونية واعتماد المواطنين المتزايد على الهواتف الذكية والتطبيقات البنكية وخدمات الأداء الرقمي.
المقلق أن أكثر أن المحتالين أصبحوا أكثر احترافية من أي وقت مضى. لم تعد الرسائل المليئة بالأخطاء اللغوية هي السائدة، بل ظهرت عمليات نصب تستنسخ بدقة شعارات الأبناك والمؤسسات الرسمية وشركات التوصيل والمنصات الرقمية، لدرجة تجعل التمييز بين الرسالة الحقيقية والمزيفة أمرا صعبا حتى على المستخدمين الحذرين.
خلال الأشهر الأخيرة، اضطرت عدة مؤسسات مغربية إلى إصدار تحذيرات رسمية بسبب تصاعد عمليات الاحتيال الرقمي. فقد حذرت وزارة العدل من رسائل وهمية تطلب من المواطنين أداء غرامات عبر روابط مزيفة، بينما نبهت “نارسا” إلى انتشار رسائل احتيالية تدعي وجود مخالفات سير وتضغط على الضحايا للدفع السريع. كما أطلقت اتصالات المغرب تنبيهات بشأن عروض وهمية تستغل اسم الشركة للإيقاع بالزبناء وسرقة بياناتهم البنكية.
الأمر لم يعد يتعلق فقط بخسائر مالية، بل بدأ يمس الثقة العامة في الرقمنة نفسها. فعندما يصبح المواطن مترددا في فتح رسالة من بنك أو مؤسسة رسمية خوفا من الاحتيال، فإن المشكلة تتحول من جريمة إلكترونية إلى أزمة ثقة رقمية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تسريع التحول الرقمي، من الأداء الإلكتروني إلى الخدمات الإدارية عن بعد، تتطور شبكات النصب بالسرعة نفسها، وربما أسرع. المحتالون اليوم لا يعتمدون فقط على التكنولوجيا، بل على فهم عميق لسلوك الناس: الخوف، الاستعجال، الطمع، أو حتى الرغبة في حل مشكلة بسرعة. رسالة تقول إن حسابك البنكي سيتوقف، أو أن طردا ينتظرك، أو أن لديك فرصة استثمار “مضمونة”، قد تكون كافية لدفع كثيرين إلى الوقوع في الفخ.
الخطير أيضا أن جزءا كبيرا من الضحايا لا يبلغون عن تعرضهم للنصب، إما خوفا من الإحراج أو اعتقادا بأن استرجاع الأموال مستحيل. وهذا يعني أن الأرقام الحقيقية قد تكون أكبر بكثير من المعطيات المعلنة.
اليوم، لم يعد الأمن السيبراني قضية تخص الخبراء فقط، بل أصبح قضية مجتمعية واقتصادية تمس الأسر والمؤسسات والدولة. لأن خسارة خمسة آلاف درهم بالنسبة لكثير من المغاربة ليست مجرد رقم، بل قد تعني كراء شهر، أو أقساط مدرسة، أو مصاريف علاج، أو ميزانية أسرة كاملة.
المغرب لا يحتاج فقط إلى حملات تحذير موسمية، بل إلى ثقافة رقمية حقيقية تبدأ من المدارس وتصل إلى كل مستخدم للهاتف والإنترنت. فالمعركة المقبلة لن تكون فقط ضد الفيروسات والاختراقات، بل ضد التلاعب بثقة الناس واستغلال جهلهم الرقمي.
وفي عالم أصبحت فيه الهواتف بمثابة محافظ بنكية ومكاتب إدارية وحياة شخصية كاملة، قد يتحول الجهل الرقمي إلى أحد أخطر أشكال الهشاشة الاجتماعية في السنوات القادمة