بقلم : عائشة بوسكين
في الواقع، تظهر أن العلاقة بين الدعم والأسعار ليست خطية ولا مباشرة. فالسوق العقاري لا يتحرك فقط وفق منطق الدعم العمومي، بل وفق آليات داخلية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها المضاربة وهوامش الربح وضعف المراقبة. وهنا تبرز إشكالية مركزية تتعلق بقدرة السياسة العمومية على التأثير في هذه البنية السوقية، وليس فقط في تمويل الطلب.
من بين أبرز العوامل التي تعمّق هذا التوتر، ما يُعرف داخل السوق بـ”النوار”، أي الفارق غير المصرح به في أسعار البيع، حيث يُلزم بعض المنعشين العقاريين الزبناء بأداء مبالغ إضافية خارج العقود الرسمية. هذا الواقع، الذي يُقدَّر في بعض الحالات بنسب مرتفعة من ثمن الشقق، يعيد تشكيل المعادلة بشكل غير معلن، ويضعف من الأثر الفعلي لأي دعم مباشر.
في مثل هذا السياق، يصبح الدعم العمومي جزءًا من معادلة غير متوازنة : فمن جهة تُضخ أموال عمومية لتقليص كلفة السكن، ومن جهة أخرى تستمر ممارسات سوقية تُعيد رفع الكلفة خارج الإطار الرسمي. والنتيجة أن المواطن لا يتعامل فقط مع سعر مُعلن، بل مع كلفة فعلية أعلى بكثير مما تظهره المؤشرات الرسمية.
هذا التناقض يطرح سؤالًا أوسع يتعلق بحدود السياسة العمومية حين تواجه سوقًا غير شفاف بالكامل. فغياب ضبط دقيق للتصريحات الحقيقية للأسعار، وضعف آليات الرقابة والزجر، يجعل جزءًا من الدعم يفقد أثره المباشر، أو على الأقل يتقلص تأثيره مقارنة بالحجم المالي المرصود له.
كما أن استمرار هذه الوضعية لا ينعكس فقط على الأسر المستفيدة، بل يمتد إلى المالية العمومية نفسها، عبر فقدان جزء من المداخيل الضريبية المرتبطة بعدم التصريح بالقيم الحقيقية للمعاملات العقارية، وهو ما يضيف بعدًا مؤسساتيًا آخر للإشكال.
في ضوء ذلك، تبدو الأرقام المقدمة في إطار دعم السكن أقرب إلى قراءة كمية لمسار جارٍ، لكنها لا تكفي وحدها لقياس التحول الاجتماعي الحقيقي. فالمعيار الحاسم لا يكمن في عدد المستفيدين، بل في مدى تغيّر شروط السوق التي تحدد فعليًا من يستطيع الولوج إلى السكن ومن يظل خارجه.
وتبقى الإشكالية الأعمق مرتبطة بفعالية هذا الدعم نفسه : فإذا كان المواطن المغربي، رغم هذه المبالغ المرصودة، ما زال يجد صعوبة في اقتناء سكن لائق في ظل شروط سوق مثقلة بممارسات “النوار” التي تلتهم جزءًا كبيرًا من الدعم العمومي وتحوّله عمليًا إلى أرباح إضافية للمنعشين العقاريين، فإن السؤال يصبح مشروعًا حول مدى قدرة هذه السياسة على تحقيق هدفها الاجتماعي المعلن.
وبين خطاب يركز على حجم الإنجاز، وواقع سوق يعيد إنتاج نفس الإكراهات، تتسع الفجوة التي تجعل من تقييم هذا الورش مسألة تتجاوز الأرقام، نحو سؤال أكثر عمقًا : هل استطاعت السياسة العمومية أن تغيّر قواعد اللعبة، أم أنها ما زالت تشتغل داخل نفس القواعد التي تحكم السوق؟