كتاب الرأي

PJD 2026 يكتشف اليسار الوسطي في انتظار اليمين الوسطي

حين تحل المنصّة الرقمية محل الوعظ الانتخابي


كان لا بد أن يحدث ذلك يوماً ما. فبعد سنوات طويلة جرى فيها تقديم حزب العدالة والتنمية بوصفه حزب الهوية والمرجعية الدينية وإصلاح الشأن العام، يبدو أنه يعيد رسم موقعه داخل الخريطة السياسية نحو ما يشبه مركزاً يسارياً تشاركياً، بطابع مغربي رقمي، حذر، مؤسساتي، وحريص على الظهور بمظهر الحزب العقلاني أكثر من كونه حزباً أيديولوجياً صدامياً.



بقلم : عدنان بنشقرون

لم يعد الحزب يكتفي برفع الشعارات أو الاكتفاء بخطاب القيم، بل أطلق منصة رقمية للتواصل مع المواطنين. لم يعد يخاطب قاعدته فقط، بل يفتح باب الاستشارة أمام عموم المواطنين. لم يعد ينزل من منطق المرجعية الجاهزة لتقديم الإجابات، بل يطلب من المغاربة تعبئة استمارة تتضمن تسعة عشر سؤالاً. إنه تحول لافت في طريقة الاشتغال السياسي، حيث تنتقل السياسة من خطاب المنبر إلى منطق الاستمارة التشاركية.


ووفق التصور المعلن، فإن الهدف هو إعداد البرنامج الانتخابي لسنة 2026 عبر إشراك الشباب والنساء والمهنيين ومغاربة العالم وسكان المدن والقرى، مع السعي إلى جمع آلاف المساهمات حول مجموعة من المحاور تشمل الاقتصاد والتعليم والصحة والبيئة والحكامة والدبلوماسية. وحتى التحول الرقمي أصبح جزءاً أساسياً من هذا التصور، باعتباره شرطاً لأي حزب يريد أن يواكب الزمن السياسي الجديد.


المفارقة أن حزباً طالما وُصف بأنه يميل إلى الخطاب العمودي والحازم، يقدم نفسه اليوم بلغة الاستماع والتشاور والتشخيص والتقييم. يتحدث عن المشاركة المواطِنة المسؤولة، والإصلاح التدريجي، وحماية المؤسسات، ورفض الشعبوية العاطفية. وهي لغة أقرب إلى مذكرات مراكز التفكير ذات التوجه الاجتماعي الديمقراطي، لكن داخل إطار حزبي محافظ يحاول إعادة تقديم نفسه بشكل أكثر قابلية للتداول السياسي.


هذا ما يمكن تسميته بعملية “تطبيع” سياسية تدريجية، لا تقوم على التخلي عن الهوية بقدر ما تقوم على إعادة تشكيل اللغة السياسية للحزب. فبدل خطاب التغيير الجذري أو الصدامي، يتجه الحزب نحو خطاب أكثر تقنية: التشخيص بدل الثورة، البيانات بدل الشعارات، والمنصات بدل المنابر.


واللافت أن هذا التحول، في سعيه للابتعاد عن الشعبوية، يدفع الحزب إلى الاقتراب من أدوات اليسار الوسطي الحديث: المشاركة، الإدماج الاجتماعي، الحماية الاجتماعية، التنمية المجالية، والاهتمام بالقطاعات الاجتماعية الأساسية مثل التعليم والصحة والشغل. وهي أدوات لم تعد حكراً على تيار سياسي معين بقدر ما أصبحت جزءاً من “عدة سياسية” مشتركة بين مختلف الفاعلين.


حتى أولويات الحزب المعلنة تعكس هذا التحول، حيث يتم التركيز على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار والتشغيل والسيادة الطاقية والمائية والغذائية ومكافحة الفساد. وفي المقابل، يتم الاحتفاظ بالمرجعية الوطنية كعنصر رمزي يحافظ على التوازن الداخلي للخطاب الحزبي، دون أن يكون هو المحور المركزي للنقاش السياسي.


الأهم في كل ذلك ليس فقط أن الحزب بصدد إعداد برنامجه مبكراً، بل إدراكه أن الناخب في 2026 لم يعد يتأثر فقط بخطاب القيم أو الوعود العامة، بل ينتظر إجابات ملموسة مرتبطة بالمعيش اليومي: الأسعار، الشغل، الصحة، التعليم، والعدالة الاجتماعية. ومن هنا، يحاول الحزب إعادة التموضع كحزب “قابل للحكم” قبل أن يكون حزب أغلبية انتخابية.


غير أن هذا التحول يضعه أيضاً أمام مفارقة واضحة. فالحزب الذي بنى جزءاً من هويته على نقد النخب السياسية التقليدية، يجد نفسه اليوم يتبنى لغة أكثر تقنية ومؤسساتية: لجان، تقارير، تقييمات، تشخيصات، ومنصات رقمية. وهو ما يعكس انتقال السياسة من الخطاب التعبوي إلى منطق الإدارة والتدبير.


لكن قراءة أعمق تكشف أن هذا ليس خاصاً بهذا الحزب وحده، بل هو جزء من تحول أوسع في المشهد السياسي. فتعقيد الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وتجربة تدبير السلطة والمعارضة، والضغط المؤسساتي، كلها عوامل تدفع الأحزاب نحو تخفيف حدة خطابها والاقتراب من منطقة وسطية أقل صداماً وأكثر توافقية.


وهكذا يجد الحزب نفسه أمام معادلة دقيقة : كيف يحافظ على هويته دون أن يبدو معزولاً عن تطلعات المواطنين؟ وكيف يقترب من المجتمع دون أن يفقد تميزه السياسي؟ إنها موازنة بين البقاء في الذاكرة الأيديولوجية والانخراط في ضرورات التنافس الانتخابي الواقعي.


في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بتحول حزب بعينه، بل بتحول أوسع في لغة السياسة نفسها. فإذا كان حزب ذو مرجعية دينية يتحدث اليوم بلغة أقرب إلى اليسار الوسطي، فهذا يعني أن اللغة السياسية باتت أكثر تقارباً، وأن الفوارق لم تعد تُقاس بالشعارات بقدر ما تُقاس بالقدرة على الإقناع والتدبير وتقديم الحلول.


وبذلك، قد لا يكون “المركز اليساري” قد فاز انتخابياً، لكنه فاز بشيء أكثر عمقاً : فاز بلغة السياسة نفسها





الأربعاء 3 يونيو/جوان 2026
في نفس الركن