كتاب الرأي

NEET : الجيل غير المرئي الذي يكلّف الاقتصاد الوطني المليارات


ليسوا في المدرسة، ولا في التكوين، ولا في الشغل. تشكّل فئة NEET (غير المتمدرسين، غير المتكوّنين، وغير المشتغلين) إحدى أخطر المناطق العمياء في الاقتصاد المغربي. فهم مضمرون في الإحصاءات التقليدية، وغائبون عن رادارات المؤسسات، ومع ذلك يمثلون كلفة اجتماعية واقتصادية جسيمة. ومن خلال الإشارة إليهم صراحة، يسلّط ميثاق 11 يناير للشباب الضوء على واقع لم يعد في وسع البلاد تجاهله.



بقلم عدنان بنشقرون - ترجمة عائشة بوسكين

فخلف هذا الاختصار التقني تختبئ حقيقة قاسية: مئات الآلاف من الشباب في سنّ الإنتاج والابتكار والمساهمة، معلقون خارج المنظومة. لا هم عاطلون باختيارهم، ولا هم مندمجون كليًا، بل يتحركون في منطقة رمادية يمرّ فيها الزمن دون تراكم مهارات أو آفاق واضحة.

من منظور اقتصادي، تمثل هذه الوضعية اختلالًا فادحًا. فكل شاب يبقى خارج المنظومة لفترة طويلة يعني خسارة في رأس المال البشري. فالاستثمار التعليمي الأولي لا يقدر، والخبرة المهنية لا تتكوّن، واحتمال العودة إلى الشغل النظامي يتراجع مع مرور الوقت. وكلما طال أمد العطالة، ارتفعت كلفة إعادة الإدماج.

على المستوى الماكرو-اقتصادي، فإن الأثر بالغ الضخامة. فالشباب غير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو الشغل (NEET) لا ينتجون ثروة، ولا يساهمون إلا بشكل هامشي في المداخيل الجبائية، لكنهم في المقابل يولدون تكاليف غير مباشرة : إعالة أسرية مطوّلة، ضغط على الخدمات الاجتماعية، توسّع الاقتصاد غير المهيكل، وأحيانًا انزلاقات أخطر. هذا الاختلال يضعف في آنٍ واحد المالية العمومية والتماسك الاجتماعي.

وتطال هذه الظاهرة بشكل غير متكافئ بعض المجالات الترابية وبعض الفئات الاجتماعية. فالعالم القروي، وهوامش المدن، والشابات ضعيفات التأهيل، هن الأكثر عرضة. وبالتالي فإن غياب سياسات مجالية موجّهة يفاقم الفوارق الترابية. فالشاب من فئة NEET في الدار البيضاء لا يملك نفس فرص “الاندماج من جديد” التي يملكها شاب NEET في منطقة معزولة.

ويؤكد الميثاق على ضرورة إرساء آليات للمواكبة القريبة وتعزيز بنيات “الفرصة الثانية”. هذه النقطة محورية، لأن فئة NEET ليست كتلة متجانسة. فبعضهم غادر مبكرًا المنظومة المدرسية، وبعضهم حاصل على شهادات لكنه محبط، وآخرون يتناوبون بين أعمال هشة غير مهيكلة وفترات بطالة. لذلك يجب أن تكون الاستجابات مُفصَّلة حسب الحالات، مرِنة، وسريعة قبل كل شيء.

اقتصاديًا، ينظر إلى سياسات “الفرصة الثانية” غالبًا على أنها مكلفة، وهذا خطأ في القراءة. فهي في الحقيقة استثمارات ذات مردودية مؤجلة. فإعادة إدماج شاب في مسار تكويني أو نشاط منتج تقلّص على المدى الطويل نفقات الحماية الاجتماعية وترفع المداخيل المستقبلية للدولة. وتُظهر الدراسات الدولية أن كل درهم يُستثمر في برامج إعادة الإدماج المصممة جيدًا يولد عوائد مضاعفة خلال سنوات.

هناك أيضًا رهان الكرامة والثقة. فعدد كبير من شباب NEET يطوّر إحساسًا عميقًا بـالتقهقر الاجتماعي، وأحيانًا قطيعة رمزية مع الدولة والمؤسسات. ومن دون مواكبة إنسانية، تفشل الأدوات التقنية. لذلك تلعب المبادرات المحلية والجمعوية دورًا أساسيًا، لأنها تعيد بناء الرابط التي أخفقت المنظومة الرسمية في تحقيقه.

ومن زاوية سوق الشغل، فإن إدماج شباب NEET ليس مجرد مسألة اجتماعية، بل هو أيضًا جواب عن نقص حقيقي في اليد العاملة داخل بعض القطاعات: الفلاحة العصرية، خدمات القرب، الصناعة التقليدية المهيكلة، والاقتصاد الأخضر. فعدة سلاسل إنتاجية قادرة على استيعاب جزء من هؤلاء الشباب، شرط توفير مسارات تدريجية، مؤمَّنة ومعترف بها.

وتبقى المسألة الحاسمة هي عامل الزمن. فكلما طال بقاء الشاب في وضعية NEET، ازدادت صعوبة إعادة إدماجه. لذلك فإن الوقاية لا تقل أهمية عن العلاج. فالتوجيه المبكر، ومحاربة الهدر المدرسي، وبناء جسور بين أنظمة التعليم والتكوين والشغل، هي روافع حاسمة لمنع تحوّل البطالة إلى فخ دائم.

من خلال إدراج شباب NEET ضمن أولوياته، يبعث ميثاق 11 يناير رسالة قوية مفادها أن لا شاب عديم الجدوى بالنسبة للاقتصاد الوطني. غير أن هذه الرسالة يجب أن تُترجم إلى آليات ملموسة، واضحة وقابلة للتقييم، وإلا ستظل مجرد إعلان نوايا إضافي.

 وعلى أفق العائد الديمغرافي، لا يملك المغرب ترف ترك جيل كامل في حالة بور. فشباب NEET ليسوا مشكلة ينبغي تدبيرها، بل هم احتياطي اقتصادي يجب تفعيله. وكلما تأخر هذا التفعيل، كلما ارتفعت الكلفة الجماعية على المجتمع والاقتصاد.




الجمعة 9 يناير 2026
في نفس الركن